نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي




أولا : تعليم الكبار في الفكر العالمي :

1- تعليم الكبار مفهوماً ومعنى :
لا يزال الغموض يكتنف تحديد مفهوم تعليم الكبار ولا يزال المضمون متسعاً متشعباً ولم تحدد معالمه ولم يتفق على مجالاته وأبعاده .
واستعرض الكاتب عدداً من مفاهيم تعليم الكبار لكتاب ومفكرين غربيين وعرب ، فيرى بروسير أن تعليم الكبار يهتم بنشر المعرفة

وتدريب الذهن على طريقة التفكير الموضوعي وتعليم المهارات التي تمكن الفرد من تحقيق ذاته وأداء دور فعال في تطوير المجتمع
الذي ينتمي إليه ، ويرى أنه هو موقف يشترك فيه الكبار في عملية تعليمية تعلميه واضحة المعالم ، ويعرف الدكتور محي الدين صابر
تعليم الكبار بأنه نظام للتعليم يتم خارج المؤسسة التعليمية المنظمة ، وخلص الكاتب إلى تحديد مفهوم تعليم الكبار بقوله :
" أي نشاط تربوي منهجي يتم خارج نطاق التعليم المدرسي النظامي الهرمي المندرج من الابتدائية إلى الجامعة "

2- تعليم الكبار نشأة وتاريخاً :
لقد ظهر تعليم الكبار كاستجابة عفوية لمتطلبات الحياة وذلك حينما أصبح التعليم المدرسي قاصراً عن تلبية المطالب الشعبية

في ديمقراطية التعليم وتعميمه لكل الأطفال في سن التعليم النظامي بالمدارس ، وحرمت أعدادا كبيرة من الأطفال من التعليم ،
وتحولوا مع الزمن إلى أميين كبار ، وكذلك عجز التعليم النظامي عن الوفاء بمتطلبات التنمية الشاملة وأصبح غير كاف
لتأهيل الأفراد وتجديد معارفهم وتوسيع خبراتهم لمواكبة متطلبات العصر وتحدياته ، كذلك كان لإدراك أهمية ومكانة تعليم الكبار
ودوره في التغير الاجتماعي وإدراك أهمية الكبار أنفسهم في الحياة وخبراتهم المؤثرة في العطاء والبناء ،
كل ذلك أدرى إلى التفكير في بدائل وقنوات جديدة وهو تعليم الكبار الذي يمكنه أن يكمل نواحي القصور في النظام التعليمي التقليدي .
3- تعليم الكبار : أهداف ومؤسسات :
أهداف تعليم الكبار :
أ – توفير الظروف الملائمة المساعدة على تنمية الكبار روحياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياُ ومهنياً .
ب – تعليم مهارات القراءة والكتابة للأميين والمهارات المهنية والصحية للمتحررين من الأمية .
ج – مساعدة الكبار على اكتشاف مواهبهم وطاقاتهم وتطوير قدراتهم ومساعدتهم على إدراك مغزى حياتهم والتكيف مع متطلباتها .
د – الإسهام في تنمية المجتمع والتنمية الشاملة .

ولقد ازداد الاهتمام بتطوير حركة تعليم الكبار خاصة بعد إنشاء المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة

( اليونسكو ) والتي أشرفت على إقامته مؤتمرات تعليم الكبار الدولية والتي أسهمت في تطوير مفهوم
ومبادئ وفلسفة تعليم الكبار ومحتوى وطرق تعليم وتدريب المعلمين وتحديد الجمهور المستهدف وتقويم النتائج ،
وقد عقد المؤتمر الأول في الدنمارك 1949 م ، والثاني عقد في مونتريال في كندا عام 1960 م وعقد الثالث في
طوكيو عام 1972 م ، وعقد المؤتمر الرابع في باريس عام 1985 م ، والذي ابتكر فيه مبدأ جديد هو الحق في التعليم
والمؤتمر الخامس عقد في جوميتين بتايلند عام 1990 م وكان شعاره التعليم للجميع ، ولقد أسهمت تلك المؤتمرات في
تأصيل وبلورة معالم علم تعليم الكبار ، وأحدثت تحويلا نوعيا لحركة تعليم الكبار حيث برزت فكرة تعليم الجماهير
ثم التربية الأساسية في التعليم الوظيفي للكبار في التعليم المستمر والتعليم المتواصل مدى الحياة وتعددت مؤسسات
تعليم الكبار إلى مؤسسات تعليمية مهنية واجتماعية ورياضية .

ثانياً : تعليم الكبار في التراث العربي الإسلامي :
لقد بدأ الإسلام بالكبار يعلمهم التصور العقائدي المتعلق بتوحيد الله ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويعلمهم التصور

الاجتماعي في بناء المجتمع في ظل مبادئ الحرية والعدالة والمساواة ، وطلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة
بل إن تعليم المسلم لغيره فريضة ، وامتد التعليم في الإسلام ليشمل كل العلوم الدينية والحياتية ، والإسلام يحث على التعليم المستمر ،
فتعليم الكبار في الإسلام غير محدود مكانياً ولا زمانياً وغير محدود بالسن أو الخبرة .
ولقد مر تعليم الكبار في المجتمع الإسلامي بثلاثة أدوار : الدور الأول: من ظهور الإسلام وحتى سقوط الدولة الأموية
وفي هذه المرحلة أوليت أهمية خاصة للتعليم فكان مساوياً للحرية وركز في تعليم الكبار على تعليم القراءة والكتابة
والقرآن الكريم وكانت الدراسة تتم في المساجد .
والدور الثاني : يبدأ من قيام الدولة العباسية حتى إنشاء المدارس النظامية في بغداد وهنا نشطت الحركة التعليمية

وانتشر التعليم وتنوعت موارده لتشمل العلوم الشرعية واللسانية والاجتماعية والفلسفية وأنشأت الجامعات لتعليم
الكبار وخدمة المجتمع خاصة في المساجد ( القرويين والأزهر ) وازدهرت الحركة الفكرية .
والدور الثالث : يبدأ من نشأة المدارس النظامية حتى انتهاء الخلافة العباسية وبداية عهد العثمانيين

وكانت هذه الفترة بداية عهد الانحطاط ، حيث تم غزو البلاد الإسلامية من قبل المغول الذين دمروا
أماكن العلم والعبادة فاضطربت الحياة العلمية واختفى كثير من المؤسسات التعليمية .
إن التربية الإسلامية توجهت أساساً إلى تعليم الكبار وهي ترى أنه ليس للعلم حدود ودعت

إلى الارتحال والغربة في طلب العلم ، وتمثلت مؤسسات تعليم الكبار في الإسلام في الدور
والبيوت والمساجد والمدارس والمعاهد والمكتبات ومجالس العلماء وبيوت الحكمة والزوايا
وغيرها وامتاز تعليم الكبار بالحرية الفكرية والتعليمية في المجتمع الإسلامي .



ثالثاً : تعليم الكبار في الوطن العربي :
لقد ورث العالم العربي حملاً ثقيلاً من التخلف الاجتماعي عبر نكسات متوالية من بعد هجمات المغول والاستعمار الأوروبي

الذي شتت وقسم بلدانه إلى دويلات ضعيفة ، وبالرغم من كل تلك الظروف إلى أن بعض الدول العربية قد بدأت تنغص غبار
التخلف عنها ، تسعى للتخلص من الآفات الاجتماعية وخاصة الأمية فبدأت بمكافحتها وذلك بتعليم الأميين مبادئ القراءة والكتابة
واسترشدت بعض الدول بإستراتيجية محو الأمية التي أعدتها المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة
( من خلال الجهاز العربي لمحو الأمية وتعليم الكبار الموجود في بغداد )
وقد بذلت العراق جهوداً مميزة في هذا المجال والتي عممت التعليم وطبقت إلزاميته ومجانيته فقضت على منابع الأمية
وحذت حذو العراق كل من اليمن والسودان وفلسطين ولبنان والكويت . إن أمية الكبار في البلاد العربية قد تجاوزت
نسبتها النسبة العالمية 28% إلى أكثر من 50% .
• الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بتعليم الكبار في البلاد العربية :
1- الإيمان من قبل الحكومات بأهمية تعليم الكبار في خطط التنمية والإنتاج .
2- المناداة بالديمقراطية خاصة في التعليم باعتباره أحد ضروريات الحياة .
3- الإحساس بقصور الأنظمة التعليمية في تلبية مطالب التنمية .
4- تزايد الحاجة إلى التعليم المستمر والتدريب المستمر في ظل الثورة العلمية والتكنولوجية .
5- وجود أعداد كبيرة من القوى غير المدربة في سوق العمل تحتاج إلى الخبرة والمعرفة .
ولقد بلورت حركة تعليم الكبار في البلاد العربية من خلال تحديد مؤسسات تعليم الكبار والتي تمثلت في

المؤسسات التعليمية ( معاهد تعليم اللغات والتعليم بالمراسلة ومراكز التدريب ) والمؤسسات المهنية ذات
الطابع التدريبي المهني والمؤسسات المعرفية . والمؤسسات الاجتماعية والرياضية .
وتتمثل أهم وضيفة لهذه المؤسسات في محو أمية الكبار والتدريب والتربية الوطنية ، والأسرية وتنمية المجتمع

والتأهيل المهني للعمال والزراع ، ويلاحظ أنه لا يوجد أداره مركزية واحدة تربط بين نشاط مؤسسات تعليم الكبار
المتعددة من حيث مستوى التخطيط ورسم السياسات والإشراف على التنفيذ مما قلل من فاعلية حركة تعليم الكبار .
وقد تمت تصفية الجهاز العربي لمحو الأمية من الهيكلة الجديدة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم
وألحقت بدائرة التربية كقسم صغير مهمش مما أثر سلبياً على حركة تعليم الكبار في العالم العربي .


رابعاً : نحو تطوير حركة تعليم الكبار في البلاد العربية :
في العالم المتقدم فإن تعليم الكبار أصبح موازياً ومتكاملاً مع التعليم النظامي وذلك في إطار التعليم المستمر

وذلك لتلبية مطالب التنمية ، وكذلك فإنه كان هناك اهتماما متزايداً بتعليم الكبار في التراث الإسلامي ،
واتضح أنه في البلاد العربية هناك غياباً واضحاً لتأثير حركة تعليم الكبار في المساهمة في التنمية الشاملة
في البلدان مما جعل حركة تعليم الكبار ومؤسساته حركة هامشية غير مؤثرة .
وقد اقترح المؤلف عدداً من المقترحات لتفعيل وتحريك دور حركة تعليم الكبار

في البلاد العربية لتسهم بفعالية في التنمية الاجتماعية والفردية وقدر قسم تلك المقترحات إلى قسمين :
1- على المستوى الإستراتيجي :
لابد من وضع إستراتيجية لمحو الأمية وتعليم الكبار ذات أهداف واضحة المعالم ولها مبادئ

رئيسية توجه العمل ويركز الباحث على ضرورة إعادة الاستعانة بالإستراتيجية العربية لمحو الأمية
التي توصلت إليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ويطالب كافة الدول العربية الأخذ بهذه
الإستراتيجية وضرورة تبني أهدافها التي من شأنها أن تحرر الإنسان العربي من أميته الأبجدية والحضارية وتمكنه من :
- امتلاك المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب مما يؤهله لاستكمال الدراسة .
- الإسهام في تنمية مجتمعه .
ومبادئ الإستراتيجية العربية لمحو الأمية هي :
أ‌- المفهوم الحضاري للأمية للمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع العربي الجديد .
ب‌- المواجهة الشاملة في تكامل جهود محو الأمية مع جهود التنمية لبناء المجتمع .
ت‌- أهمية القرار السياسي من أعلى السلطات والإدارة الشعبية .
ث‌- توجيه الجهود الشعبية والجماهير لمواجهة الأمية بشكل شمولي .
ج‌- سد منابع الأمية من خلال إلزامية ومجانية التعليم ومواجهة مشكلة التسرب والرسوب .
ح‌- تحقيق التكامل بين التعليم النظامي وغير النظامي على مستوى التخطيط والتنفيذ ومد الجسور بينهما لفتح فرص التعليم المستمر .
خ‌- الاستعانة بالأسلوب العلمي في المواجهة الفعالة للأمية من كافة جوانبها .
د‌- استخدام أسلوب الحوافر للأميين على التعلم .
ذ‌- مساعدة الدول العربية القادرة لغير القادرة على مواجهة الأمية .
ر‌- ضرورة المتابعة والتقويم للعمل المنفذ حتى يتم تعديل الانحرافات عن المخطط .

2- المستوى الفني العملي : : -
أ‌- إنشاء جهاز مركزي قطري في كل بلد عربي للتنسيق بين عمل المؤسسات والمنظمات العاملة في مجال محو الأمية وتعليم الكبار .
ب‌- تكوين اتحاد عربي قومي لمؤسسات محو الأمية وتعليم الكبار يمثل بيتاً للخبرة وتقديم المشورة الفنية .
ت‌- إنشاء صندوق عربي لمحو الأمية وتعليم الكبار .
ث‌- إنشاء جهاز مركزي قطري للتخطيط والإشراف الشامل على التعليم لتحقيق التكامل بين النظام المدرسي والتعليم غير النظامي .
ج‌- اتخاذ القرار السياسي لمحو الأمية من أعلى سلطة .
ح‌- فتح الجامعات لتدريب وإعداد القيادات لمحو الأمية وتأهيل المختصين .
خ‌- إنشاء جامعة مفتوحة على مستوى الوطن العربي لمواصلة الكبار تعليمهم واستخدام التقنيات الحديثة .
د‌- تعزيز التعاون العربي في مجال محو الأمية وتعليم الكبار .
ذ‌- الاستفادة من المساجد في تعليم وتثقيف الكبار والجماهير .

فمــــا مدى قدرة الأنظمة السياسية العربية على اتخاذ قرارات سياسية

من أعلى سلطة بها لمواجهة مشكلة الأمية ومكافحتها ... !


للآسف إن الواقع الذي تعيشه جهود محو الأمية وتعليم الكبار في العالم العربي أقل ما يمكن أن يوصف به بأنه واقع أليم ،

حيث يلاحظ على تلك الجهود التي تبذلها الدول العربية والانعزالية والانفرادية فكل دولة تعمل بمنأى عن الدول الأخرى ،
ويغيب التخطيط والتنظيم عن تلك الجهود المبعثرة والمشتتة ، بل إن الجدية تغيب عنها بشكل كبير الأمر الذي أدى إلى أن
النتائج المحققة هي نتائج غير فعالة ، ولم تصل معدلات محو الأمية في كافة البلدان العربية إلى المعدلات المأمولة ،
ويلاحظ أن القائمين على أجهزة محو الأمية من إداريين ومعلمين وغيرهم ليس لديهم التأهيل المهني والفني والعلمي
المناسب للقيام بأعباء وظائفهم ، كذلك هنالك ضعف كبير في الإمكانيات التي يتم توفيرها لحملات وبرامج محو الأمية ،
كذلك فإن العمل يتم بعشوائية ولا تتم عمليات المتابعة والتقويم بشكل فعال .
الأمر الذي من شأنه أن يؤدي بكل جهود محو الأمية وتعليم الكبار في الوطن العربي إلى أن تذهب سدى .....






نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي